العمود الثامن: ديمقراطية "البْلَك"


 علي حسين

كان جورج برناردشو في الستين من عمره، حين كتب: “عندما يكون الشيء مثيراً للضحك ، فاعلم جيداً أنّ وراءه سياسي ” في ذلك الحين كان ساخر بريطانيا الأكبر يوزع سخرياته على الجميع، ويقول عن الديمقراطية: “إنهّا تتحرّر من عبثية الحزب المعارض الذي من سلبياته أن يكون هناك برلمان، يحاول نصف أعضائه الحكم ويحاول النصف الباقي منع ذلك”.
باسم الديمقراطية ووسائلها يستنكر مجلس النواب أن تكون هناك حرية للتعبير ، فمثل هذه الحرية مسموح بها فقط لمشعلي الحرائق من النواب .
ماذا نكتب ياسادة في بلد يرفع سيف ” قانون جرائم المعلوماتية ” في وجه من ينتقد الخراب ، ويعتبر الحديث عن الفساد والمفسدين رجساً من عمل الشيطان ، في موسوعته الكبيرة لمحات اجتماعية من تاريخ العراق يروي علي الوردي نقلاً عن مؤرخ تركي : إنّ صحفياً في إسطنبول وجد مقالاته كثيراً ما تمنع من قبل الرقابة، فذهب إلى مدير الرقابة يسأله عن الحدود التي يستطيع أن يكتب فيها من دون أن تُمنع مقالاته، فأجابه المدير بأريحية قائلاً: ” تستطيع ياعزيزي أن تكتب في كل شيء ” ولمّا أبدى الصحفي استغرابه من هذا الجواب ، أخذ مدير الرقابة يوضّح له المقصود من عبارة ” كل شيء” وقال له: ” طبعاً! عن كل شيء سوى، الحكّام والحكومات الأجنبية الصديقة وحقوق الشعب والدين وحريم السلطان والنواب والشيوخ وموسم الجراد ” ، سيقول البعض يارجل ، اتقّ الله ، تكتب ليل نهار عن السياسيين وتنتقدهم ، وتقول لاتوجد حرية تعبير .. يا اعزائي الحكومة ومعها البرلمان وأضف لها رئاسة الجمهورية يرفعون شعار دعهم يكتبون ، فلا صوت يعلو على صوت السياسي ، ما دام الامر مجرد ” حجي جرايد ” تكتب عن فساد صفقات الأسلحة وتورط بعض المسؤولين فيها ، فتفاجأ في اليوم الثاني أن بطل الفضيحة يجلس بالقرب من رئيس الوزراء ، تصرخ مطالباً بمحاسبة المسؤولين عن ملفّ الكهرباء ، فتكتشف أن أحد حيتان ” اللغف ” تحول من وزير للكهرباء الى رئيس للجنة الطاقة في البرلمان ، فيما نجم الفساد في وزارة الداخلية أيام نوري المالكي ، تحول إلى بطل للإصلاح تشاهده في الفضائيات يذرف الدمع على ما نهب من أموال الداخلية .
مضحكة الديمقراطية العراقية ، فلسنوات نكتب ونؤشر عن الخراب والحكومة لاترى .. لا تسمع .. لاتتكلم ، في الوقت الذي استنفرت فيه كل قواها للرد على خبر يسخر من ” بلك معطوب ” يظهر خلال مراسيم الاستقبال التي يقيمها رئيس الوزراء للوفود في مكتبه ، ولهذا وبلمح البصر تم إصلاح البْلَك ، وكفى الإعلام شرّ الاعتراض .


إقرء الخبر من المصدر : almadapaper.net (سوف يتم فتح نافذة جديدة)

اترك تعليقاً

إظهر المزيد