إعلان

عالم لسانيات مغربي: الاستقلال الحقيقي يبدأ باللغة

قال الخبير اللغوي عبد العلي الودغيري إن سيطرة اللغة الأجنبية في العالم العربي هي واحدة من الأمور التي تزيد في ضعفه وهشاشته، مشيرا -في حوار مع الجزيرة نت- إلى أن الاستقلال الحقيقي يبدأ بالاستقلال اللغوي، والتجارب كلها تدل على أن الدول التي نهضت إنما نهضت بلغاتها.
وأوضح الودغيري الذي حصل مؤخرا على جائزة الملك فيصل العالمية في فرع اللغة العربية والأدب، أن اللوبيات الفرنكفونية في بلدان شمال أفريقيا متحكّمة في توجيه السياسة اللغوية وتريد المزيد من هيمنة اللغة الفرنسية، وربما تعمل لجعلها لغة وطنية أو معترفا بها على الأقل.

وللخروج من هذا الوضع، دعا إلى تخطيط لغوي نابع من روحٍ وطنية صادقة تتغلب على الأهواء السياسية، وهذا لن يتم بحسبه إلا بوجود اقتناع لدى أصحاب القرار السياسي.

وفيما يأتي نص الحوار:

كنتم من الخبراء الذين اشتغلوا على إنجاز معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، ما أهمية هذا المشروع؟

** تكمن أهمية المشروع في كونه أول عمل علمي من نوعه في تاريخ اللغة العربية، وقد سبقتنا إلى التأريخ للغاتها دول أوروبية منذ زمن طويل.

فنحن متأخرون في هذا المجال، ولا سيما أن اللغة العربية لغة قديمة عمرها يمتد إلى حوالي قرنين من الزمن، وتراثها أغنى وأقدم من عدد من اللغات الأوروبية كالفرنسية التي يؤرّخ لأقدم وثيقة كتبت بها بالقرن التاسع من الميلاد، ولم تتضح ملامحها ويُطلق عليها اسم “اللغة الفرنسية” إلا في القرن الثاني عشر، وكان الفرنسيون يسمون لغتهم قبل ذلك باسم “اللغة الرومانية”، فهي لهجة أو مجموعة لهجات متفرّعة من اللاتينية. ولم تصبح لغةً رسمية في الإدارة والقضاء إلا في بداية القرن السادس عشر، وحتى بعد ذلك ظلت اللاتينية حاضرة بقوة في المجال العلمي والثقافي.

ثم إن إنجاز مشروع بهذه الأهمية كان يحتاج إلى جهة مسؤولة تقتنع به وترعاه وتموّله، فهو ليس عمل سنة أو سنتين بل عمل سنوات عديدة. لذلك حين توفرت الشروط الموضوعية المناسبة بدأ العمل في هذا المشروع الذي يسد ثغرة كبيرة في تاريخ اللغة العربية، بمؤسسة بحثية خاصة به ضمن إطار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

حاليا، أنهينا المرحلة الأولى من المشروع الذي بدأت خطواتُه الأولى قبل ست سنوات، وتشمل المرحلة الفترة الممتدة من البدايات الأولى المعروفة للغة العربية -بحسب ما توفر من النقوش والنصوص والبَرْديات- إلى نهاية القرن الثاني من الهجرة.

اشتغلتم في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية على ما يسمى “التأثيل”، وهو البحث في أصول الألفاظ، وقد قمتم بعمل مماثل في كتابكم المعنون بـ”العربيات المغتربات: قاموس تأثيلي وتاريخي للألفاظ الفرنسية ذات الأصل العربي أو المعرب”، وهو الكتاب الذي حصل على جائزة الألكسو-الشارقة للدراسات المعجمية، ما أهمية وقيمة هذه الدراسات في أيامنا هذه؟

** كل الأوقات مناسبة لمثل هذا العمل، فهو جزء من التأريخ المعجمي، واليوم أصبح بإمكاننا الحصول على عدد من النصوص المهمة التي تساعد على إنجازه بشكل أفضل، وذلك بفضل التطور التكنولوجي والمعلوماتي.

ومن جهة أخرى، البحث في التأثيل هو البحث في أصول الكلمات وتطورها التاريخي وانتقالها من لغة إلى أخرى، والعربية كما تعلمون كان لها احتكاك كبير باللغات الأجنبية اللاتينية والإغريقية والفارسية ومختلف اللغات الأوروبية والأفريقية، وغيرها سواء في العصر القديم أم العصر الإسلامي أم العصور المتأخرة، ومع هذا الاحتكاك وقعت حركة واسعة لانتقال المفردات وتبادل التأثير والتأثر بين العربية وباقي اللغات.

فكان من مسالك المعجم التاريخي، تتبع الكلمات العربية التي تهاجر إلى لغات أخرى أو تأتي إليها، ومنها ما يهاجر ثم يعود إلى العربية بشكل آخر، ولذلك أسباب وعوامل كثيرة كالتجارة والرحلات والحروب (الحروب الصليبية مثلا كانت لها أثار على اللغة العربية واللغات الأوروبية).

ومن العوامل أيضا الترجمة، وقد ترجمت كثيرا من الكتب العربية إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوروبية الأخرى، وأخيرا هناك مرحلة الاستعمار وآثارها اللغوية معروفة.
وهذا موضوع خصب ومهم جدّا ويكشف الدور الذي قامت به العربية كلغة استفادت منها لغات أخرى واستفاد منها العالم، فالألفاظ ليست مجرد أداة للتعبير، وإنما هي أيضا حاملة لأفكار ومفاهيم مختلفة وخزان كبير يجمع ثقافة كل شعب. لذلك عندما هاجر كثير من الكلمات العربية إلى لغات أخرى، هاجر معها ما تختزنه في ثناياها من مفاهيم ودلالات ثقافية وحضارية.

ألا يدل ذلك على مرونة اللغة العربية وقابليتها للتطور، عكس ما يروج له البعض من أنها جامدة وليست لغة علم؟

** هذا أكيد، وأنا ذكرت في مقدمة كتاب “العربيات المغتربات” أن من بين أهداف هذا العمل أن نثبت بالدليل الملموس للذين يشككون في قدرة العربية على أن تكون لغة علم وتقنية، أنهم ليسوا على صواب، وأن تلك المقولات مجرد أوهام وأساطير، فالألفاظ التي هاجرت إلى اللغة الفرنسية مثلا، أغلبها ألفاظ علمية مثل مصطلحات علم الفلك والرياضيات والهندسة والنبات والفلسفة والمعمار والاقتصاد والطب والصيدلة والموسيقى وغيرها من العلوم والفنون.

فلماذا كانت اللغة العربية في تلك المراحل لغةَ علم، والآن بعد مضي قرون عديدة يقال إنها لا تصلح لتكون كذلك وأنها تحتاج إلى تأهيل؟

في المغرب تهيمن اللغة الفرنسية على مجالات المال والأعمال والتقنية فضلا عن مجال التعليم، كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

** وصلنا إلى هذا الوضع لعدة أسباب أغلبها سياسية وليست موضوعية وعلمية ولا بيداغوجية (تربوية)، وكل الكلام الذي يروج حول عدم قدرة اللغة العربية على التطور وأنها ليست لغة علم لا أساس له من الصحة، وقد كتبت الكثير من البحوث والمقالات في الرد على تلك الادعاءات.

ومن الأسباب المهمة تخلينا عن لغتنا، وهذا التقصير مع الأسف ليس خاصا بالمغرب فقط، فهو ملاحظ في جميع دول العالم العربي. نحن احتضنا الفرنسية هنا، وفي الشرق احتضنوا الإنجليزية، وهذا نتيجة عدم الوعي بأهمية لغتنا وعدم اعتزازنا بها وعدم إدراكنا أن اللغة لها أهمية كبيرة في التنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والشمولية.

وقد نشرتُ مؤخرا بحثا حول أهمية اللغة العربية في تنمية الاقتصاد، ذكرت فيه أن المجموعة العربية التي تضم 22 دولة وملايين المواطنين الذين يتكلمون اللغة العربية، لو أنها اقتنعت بأهمية الاستثمار في لغتنا المشتركة وبدورها في تكوين مجتمع المعرفة، لتحققت لها تنمية هائلة.

ولو أخذنا الفرنسية على سبيل المثال، لوجدنا أن هذه رغم انتهاء صلاحيتها في العالم -مقارنة مع الإنجليزية- فإن الدولة الفرنسية لا تزال تعيش بفضل ما تجنيه من أرباح استثماراتها في لغتها هاته، بعد أن عملت على نشرها بشكل واسع في مستعمراتها السابقة من الدول الأفريقية وغيرها.

فالمجموعة الفرنكفونية (أكثر من 50 دولة) تغذي فرنسا بالمواد الأولية وبالكفاءات والأطر، لأنها أصبحت عبارة عن سوق كبيرة تروج فيها فرنسا سلعَها وبضائعَها التجارية، ومنها سلعة اللغة التي تسوّقها عبر التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته، والمنتوجات الثقافية والعلمية المكتوبة أو المُعَدّة بالفرنسية كالكتب والأفلام والبرامج الإعلامية والمعلوماتية ومختلف التقنيات… إلخ.

فنحن في الدول الفرنكفونية (أو المحسوبة عليها) نعلّم أبناءنا ونكونهم ليتخرجوا ويصبحوا أطرا وكفاءات عالية، ثم نسلمهم جاهزين لفرنسا ليساهموا في تنميتها دون أن يكلِّفها ذلك شيئا ذا بال.

الآن فرنسا تستثمر في لغتها بهذه الطريقة، فهي تعمل جاهدة على نشر التعليم باللغة الفرنسية في مستعمراتها السابقة حتى تستفيد مما تجنيه من أرباح بعد ذلك، والدليل أن ستمئة مهندس من المغرب يهاجرون إلى فرنسا سنويا للعمل فيها، كما صرح بذلك أحد كبار المسؤولين، ولو أن تكوين هؤلاء المهندسين كان يتم بالإنجليزية مثلا لكانت وجهتهُم مختلفة، ولو كان تكوينهم بالعربية لاستفادت منهم كل الدول العربية وغيرها من الدول الإسلامية.

حقيقتنا اليوم أننا نمر بمرحلة ضعف (والمغلوب يتبع الغالب كما يقولون)، ولم نفهم بعد أن سيطرة اللغة الأجنبية هي واحدة من الأمور التي تزيد في ضعفنا وهشاشتنا. ومن أسباب وضعنا المتردي تفريطنا في لغتنا، هويتنا. والاستقلال الحقيقي يبدأ بالاستقلال اللغوي كما هو معلوم، والتجارب كلها تدل على أن الدول التي نهضت إنما نهضت بلغاتها، ولن تجد دولة حققت تقدما في سلم التنمية، تعلم أبناءها بلغة غير لغتها الرسمية والوطنية.

لذلك أعتبر أن التراجع عن التعريب في المغرب مأساة كبرى، ولا سيما أن هذا التراجع جاء بعد ثلاثين عاما من تجربة التعريب التي أريد لها أن تفشل، ولو أريد لها أن تنجح لنجحت.

ومما يزيد من فداحة المأساة أن الفرنسة ذهبت إلى أبعد مما كان متوقعا، فقد وصلت اليوم إلى مرحلة روضات الأطفال، بعد أن كان تعليم اللغة الأجنبية من قبل يبدأ من السنة الثانية أو الثالثة من المرحلة الابتدائية (وليس مرحلة الروضات)، فلأول مرة في تاريخ المغرب يتقرر تدريس الصبيان في المدارس العمومية قبل سن السادسة باللغة الفرنسية، وهو ما لم يحدث من قبل حتى في فترة الاستعمار.

من قبل كانت هناك على الأقل مدارس قرآنية تقوم بدور تلقين العربية للصغار قبل مرحلة التمدرس، واليوم كان المفروض -عند اتخاذ قرار تعميم التعليم الأوّلي- أن يتم التعميم في هذه المرحلة باللغة الوطنية.

في المغرب تخرَّج أول فوج من حاملي الباكلوريا المعرَّبة (الثانوية العامة) عام 1990، وبعد حوالي ثلاثين سنة من هذا الحدث، وعوض السير إلى الأمام واستثمار هذه التجربة المهمة في المضي بخطوات حثيثة نحو تعريب التعليم العالي بشكل اختياري أو تنافسي على مراحل، وجدنا أنفسنا نعود إلى الوراء ونعيش حالة فوضى لغوية عارمة.

اعتبرتم أن الاقتصار في تحليل وضع اللغة العربية الحالي على الجانب الكمّي الذي يقول إنها لغة تحتل الترتيب الرابع أو الخامس بين كبريات اللغات العالمية، وأنها لغة يتكلمها زهاء أربعمئة مليون ومعتمدة في كل هياكل الأمم المتحدة إلى غير ذلك؛ مجرد مسكّنات ومهدئات تريح البال وتعدل المزاج. ماذا تعني بذلك، أليست تلك التصنيفات مدعاة للفخر؟

ذلك يعني أنه يجب ألا تشغلنا هذه الأرقام عن الوضع الحقيقي للعربية في عالمنا العربي، وعن طرح الأسئلة المحرجة. فكم من بين هؤلاء الملايين من المستعملين للعربية يعرفون الفصحى أو يتكلمونها أو يقرؤون بها؟ وكم عدد الذين يتقنونها؟ وما نسبة الإنتاج المعرفي والعلمي والثقافي باللغة العربية مقارنة مع إنتاج دولة واحدة مثل فرنسا؟ وكم كتابا نقرأ باللغة العربية في السنة؟ وما موقع العربية في الإدارة والحياة العامة وفي الشركات والمعامل وفي التجارة والاقتصاد والبنوك وقطاع التأمين والمقاولات وفي الإعلانات والملصقات واللافتات والمنشورات؟

إذا نظرنا حولنا ماذا نجد؟ فتعليمنا يركز على الفرنسية أو الإنجليزية، ولا سيما في المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية، والإعلام يتوجه إلى الجمهور بالعامية أو اللغات الأجنبية، أو بخليط من اللغات والمستويات؛ والإدارات تراسل المواطنين في كثير من الأحيان بلغة أجنبية.

أمام هذا الواقع نصاب بخيبة كبيرة، ونفهم أن لغتنا رغم أنها تتقدم من حيث المعايير الكمّية على اللغة الفرنسية ولغات أجنبية أخرى، فإنها -وفقا للمعايير الكيفية- مهدَّدة، إن لم يكن بالزوال، فهي مهددة بالفساد والتحول السريع.

ما مسؤولية الحكومات والنخب ووسائل الإعلام في هذه الفوضى؟

كلنا مسؤولون، لكن هذه المسؤولية تتفاوت في الدرجة والأهمية، فالمسؤولية بالدرجة الأولى تتحملها الحكومات التي لم تفعل شيئا ملموسا من أجل اللغة العربية.

والإعلام مسؤوليته كبيرة جدا في هذه الفوضى، بالنظر للبرامج المتردية التي يقدمها، فقد كان يمكن للغة العربية الفصحى أن تنتقل إلى طور أحسن وأجود عن طريق الإعلام والبرامج الثقافية والترفيهية والحوارات والأفلام والمسرحيات والأغاني.

نعم حتى الأغاني لها دور مهم في نشر اللغة، فأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وأمثالهما، بكلماتها العربية البسيطة، حفظها الناس ورددها الفلاحون في الحقول رغم أنهم غير متعلمين ولم يدخلوا المدارس.

دعوتم إلى عمل مكثف ومخطط لحماية اللغة العربية، ما طبيعة هذا العمل ومن المعنيون به؟

الجميع معنيون، لكن المسؤولية كما قلت تتفاوت وتتدرج بحسب المواقع، فالأفراد مطلوب منهم أن يعتزوا بلغتهم العربية الرسمية والوطنية ويعلموها لأبنائهم والأجيال القادمة، والمجتمع المدني والمجالس المنتخبة يجب أن تقوم بدورها، والمسؤولون الحكوميون والمؤسسات الرسمية كلٌّ له قسط وافر من العمل للتمكين للغة العربية.

اللوبيات الفرنكفونية في منطقتنا بالشمال الأفريقي -وليس في المغرب وحده- متحكّمة في توجيه السياسة اللغوية في هذه المرحلة، وتريد المزيد من هيمنة اللغة الفرنسية، وربما تعمل لجعلها لغة وطنية أو معترفا بها على الأقل، لذلك لا بد من تخطيط لغوي نابع من روحٍ وطنية صادقة تتغلب على الأهواء السياسية؛ تخطيط يعطي العربية المكانة السيادية التي تستحقها، وهذا لن يتم إلا بوجود اقتناع لدى أصحاب القرار السياسي، لأن هذا الأمر المهم يتوقف بالفعل على وجود قرار سياسي، وعلى قوانين تنظيمية لحماية اللغة وتنميتها وفرض استعمالها في كل المرافق الاجتماعية، وفي الإدارة والإعلام والتعليم وكل المجالات الأخرى.

إن كل دساتير المغرب منذ الاستقلال، وكل دساتير الدول العربية الشقيقة أيضا، تنص على الوضع المتميز للغة العربية، لكن تفعيل ما تنص عليه هذه الدساتير لن يتم إلا بسن قوانين تنظيمية لحماية هذه اللغة، كما فعلت قطر مؤخرا والأردن قبل ذلك عندما وضعتا قوانين تنص على جزاءات وغرامات للمخالفين.

وحتى مع وجود قوانين تنظيمية، فإن تفعيلها يبقى هو الأهم. وأهم شيء يمكن به تفعيل مثل هذه القوانين هو إلزامية تعليم كل المواد والعلوم بالعربية في كل الأسلاك والمراحل. ولو تكاثفت الدول العربية مجتمِعة على تطبيق هذا الأمر لنجحت فيه نجاحا باهرا، لأن المسألة تحتاج إلى تعاون كبير ووثيق بين المسؤولين، وخاصة بين وزارات التربية والتعليم في الدول العربية.

المصدر : الجزيرة

اترك تعليقاً

المصدر
الجزيرة
إغلاق

لديك مانع ظهور الإعلانات

الاعلانات هي المصدر الوحيد لديمومة المدونة، نرجو منك مساعدتنا في توقيف مانع ظهور الإعلانات مؤقتاً لحين انتهائك من زيارة المدونة