الأكثر مشاهدة

مع علي الشوك في منافيه الثلاثة

زهير الجزائري

في منطقة الشواكة ببغداد وخلال دراستي الجامعية في أواسط الستينيات عرفتني هناء أدور على علي الشوك. كان تعارفاً بين جيلين بينهما مذبحة. فقد قُذفنا، نحن الستينيين، في فضاء الثقافة دون آباء ثقافيين واعتبرنا أنفسنا جيلاً نغلاً. بدأنا نتجمع في مقهى البلدية وكان الجيل الذي قبلنا ما يزال في السجون أو خرج محطماً روحياً بعد مجازر١٩٦٣. نتسكع في شارع الرشيد ونختلس النظر لأبناء الجيل السابق وهم في (مقهى البرازيلية) يشربون الشاي والقهوة بالأكواب ويدخنون الغليون ووجوههم تتجه للمارة، لكن عيونهم تنظر للماضي. من وراء الزجاج  يشير لي عمران القيسي: ذاك عبد الملك نوري وبجانبه التكرلي وعلي الشوك. لا ندخل لنسلم عليهم، بل نمضي في تسكعنا، أو لمقهانا الرث.

حين رأيت علي الشوك لأول مرة فوجئت بوجه يشبه وجه حصان.. استطالة الوجه والأنف تتجه الى الأسفل ماعدا عرف من الشعر يتجه الى الأعلى. مدّ يده ببطء ليصافحنى فارتبكت وتعرّقت يدي. أشار لمكان جلوسي على مقربة منه. لم يكن قد قرأ لي أياً من قصصي القليلة التي نشرتها في جريد المنار وفي ملحق الجمهورية. فقط عرف عني من خلال هناء. وكنت قد قرأت له بضع مقالات في مجلة المثقف التي تصدر عن اتحاد الأدباء. حين التقيته كنت قد حددت موقفي، في السياسة مع القيادة المركزية في انشقاقها عن الحزب الشيوعي، وفي الأدب مع الوجودية التي سحرتنا من خلال كتابات سارتر وكامو. كنت متوتراً متطرفاً في كل شيء مثل كل أبناء جيلي. حين التقيته عشت الدهشة والغربة معاً. كل ما فيه مختلف، هادئ، غامض، عميق ، يستمع ثم تأتي تعليقاته قصيرة جداً من جملة أو جملتين يبدأها ب(أعتقد) بينما كنت أنا أجزم.أتباهى بما قرأت وهو يستمع دون أن يعلق، ثم أكتشف لاحقاً أنه قرأ نفس الكتاب ولاحظ ما لم أفهمه ولم يعلق متحاشياً تعارض الآراء. كل من عرفتهم من مجايلي في تلك الفترة يتحدثون عن قصص وروايات كتبوها ولم ينشروها، أو تجول في ذهنهم ولم يكتبوها بعد. على العكس أدهشني باعترافه بان حبه للرياضيات والموسيقى وكثرة قراءاته أعاقت قدراته على الكتابة.
بين الأدب والخجل ينكّس رأسه قليلاً حين يصغي. ينظر للمتحدث من تحت حاجبين وأجفان منتفخة، ويتنفس بعمق قبل أن يتكلم. نادراً ما تأخذه الحماسة قليلاً فينحني خجلاً منها، وحين يضحك يرفع رأسه عالياً ثم يعود الى الأرض خجلاً من ضحكته.
على العكس منه كنت أخرج من عنده وأنا أنضح ندماً من تصرفاتي الخرقاء ومن أحكامي الحادة. أدبه الجمّ واقتصاده في الكلام صار مصدر عذابي. مع ذلك يستقبلني ويقول: ( انت تحرك أفكاري بالمختلف)..
كنت أتباهى بأن جيلي مختلف عنهم. تجربتنا أقسى واعتبر فقر جيلنا فضيلة. وفيما عدا حسين مردان فإن كتاباتنا أكثر تعبيراً عن الذات وأكثر جرأة.. هكذا اعتقدت. فاجأني بأنه يقرأ لكتاب جيلي ويحاول أن يجد ما تفوقنا به عليهم. مرّات دعوته للتسكع معنا في مقاهي وبارات بغداد. لم يرفض دعوتي. لكنه فضّل البقاء في البيت، فبعد تجربته في السجن أصبح العالم شريراً أو جارحاً. في تلك الفترة قال إنه بدأ كتاباً يجمع بين الرياضيات والموسيقى والرسم والسرد.. كتاب يجمع ثقافاته المتنوعة. لم أتقبل فكرته، فقد كانت الفنون والآداب في ذهني مقسمة بحواجز صارمة. وقد رأيت في هذه الفرشة العريضة هروباً من نفسه و من عذابات تجربته المرّة في السجن حيث اعترف تحت التعذيب. في أيام التطرفات تلك كنّا نكنّ نوعاً من اللوم والاحتقار لمن اعترف على رفاقه. نحكم عليه من مقاهينا دون أن نتفهم قوة احتمال الإنسان حين يكون الجسد على خشبة التعذيب والفكرةً التي آمن بها تبدو مثل خيال شارد أمام ضراوة الألم . المعترفون أنفسهم يشعرون بخزي مبالغ به ويعاقبون أنفسهم باللوم والكوابيس. حاولت أن أذهب خلف هذا القناع الوقور لاكتناز عذاباته الدفينة وكوابيس التعذيب في أقبية الموت، لكنّه يجرّ الأحاديث بعيداً إلى الموسيقى. الوجود الأنيق للبيانو وسط الغرفة يفرض علينا الحديث عن الموسيقى. في المرة الثانية أو الثالثة سألنا:هل تريدون أن نسمع موسيقى؟ أشرنا بحماس (نعم!) وفي الحقيقة كنت أريد أن أتكلم وقد استحضرت في ذهنى طبيعة الحديث( رواية ديستويفسكي الإخوة كارمازوف). قال إنه لا يفضّل أن تكون الموسيقى خلفية للأحاديث ، بل يريدها موضوع الحديث، أن نسمع بانتباه، ثم نتحدث عما سمعناه…

بغداد: المنفى الأول
من عيادة صديقه الحميم نوري السعدي خرجت معه مرة والتقينا بالشلة إياها . ارتبكت حين عرّفني عليهم ككاتب شاب، إرتبكت وأنا دون أن أدري أقارن رثاثتي بأناقتهم ورجفة صوتي بكلماتهم الدقيقة الواضحة، ارتبكت أكثر من ارتباكي وأنا ألاحظ نظرات امرأة تتفحص هذا المخلوق الطارئ على الشلة. لا أدري موقع هذه المرأة في رواياته اللاحقة.
المكان حديقة بغدادية مرتبة بدقة. الإنارة الخافتة مسلطة علينا نحن الخمسة والزوايا تغيب تدريجياً مع مقطوعة لباخ لا أتذكرها. أغمضت عينيّ مثلهم لأدخل الإيماءة، لكن مخيلتي الشاردة تفلت من الموسيقى وتتبعثر بين صور متنافرة .الموسيقى تتداخل مع رائحة الآس والرازقي، ونحن في صمت مطبق بانتظار أن يمسح علي دموعه ويصمت قليلاً ثم يتحدث عن سبب اختياره هذه المقطوعة. لماذا ألفها بأخ ومن الذي عزفها وأين . تحدث والبقية يصغون له كأستاذ، ولكن بوَلَهْ. وقد ختم الحديث نافياً كل ما قاله: مع ذلك انسوا الحكاية وإرتشفوا الموسيقى لذاتها وليست ملحقاً للحكاية، خمرة لذاتها وبذاتها!
كنت اعتقدت أن الموسيقى التي يعشقها تعطيه شيئاً من راحة البال فردّ علي بشيء من العصبية: من قال لك هذا؟ إنها تزيد قلقي وحزني. أنا أبكي حين أسمعها … وكنت اعتقد أن الموسيقى ترهف الحس وتفصل متسمّعها عن الحياة. فنّد علي جهلي بها فعلمني إنها هي الحياة و عصارتها في الوقت نفسه. إيقاعها هو ترجيع لنبضات القلب..أن تروم و تخسر، تروم وتخسر، ثم تروم..تبتعد عن القرار ثم تعود إليه فتخلق الإضطراب العاطفي المتصاعد عند المستمع حتى تأتي الضربة الأخيرة التي هي رديفة النهاية في حياة الإنسان .
أتذكر أن النساء كنّ يحُمّن حول هذا العازب الذي يتحدث عن أمور تثيرهن حتى دون أن يفهمنها، ويشعرن تجاهه باطمئنان عجيب في مجتمع قاس. كان يعاملهن بأدب جمّ . يتركني جانباً حين تداخل النساء ومعهن تتغير نبرة صوته أقرب الى الهمس. النساء كن مثار اهتمام علي في الحياة و في القراءة، ماتيلدا في رواية ستاندال ( الأحمر والأسود) وآنا كارنينا في رواية تولستوي وزينايدا في رواية تورجنيف.( شهرزاد، داليا وتمارا ) كن محور رواياته والعنصرالمركزي الذي يدور حوله الرجال، متحررات بلا حدود منقذفات في عالم من الجنس و الثقافة. في روايته (السراب الأحمر) وضعهن في إطار يوتوبي من الطبيعة البكر، يسبحن عاريات في النهر. بالنساء أراد خلق جنّة من ضباب وسط عالم البعث القاسي. حين تستعصي النساء كمخلوقات من دم ولحم يصنعهن من مخيلته ويجد ما يطابقهن في الواقع. سلوك النساء المتحرر يحرره أيضاً من قيود صارت جزءاً من لحمه ووعيه.في واحدة من مقاهي بودابست، كان بصحبة أجنبية، انحنى نحوها وسمع نكتة هامسة فمال الى الخلف وأطلق ضحكة عالية لم أسمعها من قبل منه. لا أعرف في أي من رواياته وضع هذه المرأة ونكتتها.

بودابست:المنفى الثاني
في بداية الثمانينيات جمعنا المنفى في بودابست. فجوة الأجيال بيننا تقلصت حدّ التلاشي، وبدأت فجوة أخري بيننا وبين أنفسنا. الإشتراكية التي كانت تجمعنا فكرة وأمكنة بدأت تتهاوى تباعاً. هو جاء من براغ وأنا من بيروت وقد اجتاحتها القوات الإسرائيلية. بعيداً عن دوي المدافع في العراق وبيروت كانت حياتنا قد تغيرت، وقد خذلتنا (الاشتراكيات) القائمة و الثورات المحبطة. علي ابتعد عن زوجته وبدات علاقته مع جابرييل. مع الثانية أراد أن يعيش علاقة شبوب رومانسية تحرك عواطفه. وأنا بدأت مشاكلي مع زوجتى. كان وسيطاً بيننا يحيل إشكاليات الحياة الى الأدب وليس للحياة نفسها. مرة يشبه علاقتنا برواية (الحب الأول) لتورجينيف ومرة ب( آنا كارنينا) لتولستوي. الحياة التي عشناها، بما فيها من مُثلٍ تهاوت ومجتمعات تاهت ولا تعرف أين هي ذاهبة… هو وأنا لا نعرف أين نذهب بعد أن فقد هو راتبه في مكتب منظمة التحرير ببودابست . جمهورية المجر التي نحن فيها غادرت تجربتها الاشتراكية وصارت تركض وتتعثر نحو رأسمالية مجهولة الهوية، وأنا لا أعرف أين سأذهب بعد أن فقدت لبنان وفيها بيتي وكل دفاتري .. كل هذا لم يشكل في ذهن علي أرضاً لحالنا. المثقف الغارق في الثقافة يحيل الحياة للثقافة. وهو يقرأ الروايات ليبدأ روايته الأولى عاش علي في عالم متخيل، عالم تورجنيف وستاندال، و تشيخوف وموباسان.. عاش هذه العوالم حتى فارق الواقع الذي هو فيه.
في تلك الفترة التي كان فيها علي يتنفس بصعوبة كانت الهجرة هاجسنا. إلى أين؟ كنّا نطرح السؤال ونترك الجواب للقدر.

لندن:المنفى الثالث
في أيام الحرب الباردة كانت لندن تحتفي براقص باليه ثانوي هرب متسللاً من بلاده السّوفياتية وأعطي لجوءاً استثنائياً مع الكثير من الدعاية. الصحف ودور النشر تتسابق لرواية عذاباته وهروبه المعجزة من النظام الشيوعي. الأمر تغير كثيراً عند وصول علي الشوك إلى لندن . صارت السلطات تتعامل مع مجموعات بشرية. لا تسأل اللاجئ عما كتب وما أنجز، إنما تسأله عن القطيع البشري الذي ينتمي إليه، مسيحي، مسلم، شيعي ،سني، كردي، عربي؟ في ضوء … ذلك تحدد موقفها. في عصر الهجرات الجماعية اعتاد المنفى أن يصفّر الخصوصيات و يتعامل مع المنفيين (كأسنان المشط). لا يعبأ لتخصصاتهم وتراثهم الإبداعي وما تركوه من إرث في بلادهم .. حين وصل على الشوك الى لندن كانت الأجيال العراقية قد تكاملت، من الجواهري.. مروراً بالجيل الخمسيني، حتى آخر الأجيال. كلهم مرّوا بدوامة الروتين الثابت للأيام الأولى وبدورة الخجل وانكسار الكبرياء.
عند وصوله لندن في ٩ أيار ١٩٩٥وجد بانتظاره شخص واحد هو صديقه القديم (غانم حمدون) الذي يسكن على مسافة ياردات من بيتي في Acton Town. غانم الذي اعتاد أن يتخلى دون أن يأخذ أعطى صديقه المدلل غرفة نومه وصار ينام على صوفا في غرفة الجلوس. صداقة الإثنين بدأت من الحزب و تعززت في العمل النقابي خلال ثورة تموز، لكنها ترسّخت من خلال كتاب. فقد كان غانم شريكه الثاني في ترجمة كتاب شولوخوف( الدون الهادي). تجربة الثلاثة، معهم الدكتور أمجد حسين، إثنين منهم في السجن، أذهلتني. فالتدفق اللغوي كأنه تيار واحد:( كنّا نتبادل الفصول ونصحح بَعضُنَا بتفهم، ونبحث في القواميس عن فصائل الخيول وأجزاء أجسادها وطريقة الجري والهرولة، نبحث معاً ونتبادل الأفكار بديمقراطية نادرة). كنت أزور بيت الصديقين مرتين على الأقل في الأسبوع، ويزوران بيتنا مرة أسبوعياً. من وجودهما في بيتنا تعلمت ابنتي أوس كلمة جديدة (جدُّو). نلتقي ونتحدث عن كل شيء، ونادراً عن حالنا نحن في المنفى. من بين أبناء جيلي أردت أن أردم في داخلي الفجوة بين الأبناء والآباء فإرافق الجيلين بعد أن تجاوزت الأربعين. المنفى علمنا النبرة الخافتة في الحديث والإقتصاد في التباهي بما قرأناه وكتبناه. كنّا نتحدث ونعيش على ذكريات بلد غادرناه، وبالأحرى غادرنا. مع ذلك بقيت ذكرياتنا هناك وقارئنا هناك ونحن معلقون مثل كرة في الفضاء، لا ترتفع ولا تنزل، نعيش ازدواجية إننا هنا وهناك في وقت واحد. مع ذلك نغالب وحشة وجودنا بالكتابة. بالكتابة نستعيد ماضياً غادرنا، وبها نحوله الى مستقبل. أبنتي كانت في عزّ صباها، تقف خلفي لدقائق تحدق في لغة لا تفهمها وتسألني عماذا أكتب؟ أشرح لها باختصار شديد ما أكتبه هو حكاية حاكم ظلم شعبه. تلتفت بنوع من عدم الرضا وكأنها تقول “ boring. مرة دخل علينا جارنا الإنكليزي وهو يحمل نضدة من ألبومات قديمة فيها صور خدمته العسكرية في العراق. اشتكى من اصطفاف العراقيين مع هتلر ضد الإنكليز. الإثنين ( علي وغانم) ردا عليه بأدب جمّ ” ليس حباً بهتلر، بل تماشياً مع عدو عدوي”. فيما بعد. غادرنا أرثر ثم عاد مربكاً ليعتذر من رجلين مثقفين عاملاه بمنتهى الاحترام، لكنهما غادرا فاعتذرت نيابة عنه.
وقد عرف إن لندن ستكون مكانه الأخير، قرر علي أن يتفرغ كلياً للكتابة. في شقة بالطابق الأرضي في Temple Wood صار يتدفق كتابة بكل المواضيع في وقت واحد الفيزياء، الموسيقى، اللغة والرواية . “اكتب أكتب اكتب حتى الصداع…” يخابرني وقد اختنق بوحدته واحتاج صديقاً فنلتقي في شقته وأعجب من قلة الكتب حوله. (لا احتاج إلا مصادر كتابتي) والموسيقى؟ لا احتاجها، إنها تدوي في رأسي دائماً. حرص علي الشوك على أن يرسل لي كل كتاباته، بما في ذلك كتبه عن العلم رغم علمه بأن الدروس العلمية كانت عقدتي خلال الدراسة الثانوية، لكن كتابه عن فلسفة العلم فتح في ذهني سماء تدور فيها هيوليات وأفلاك بلا نهايات وردت في روايتي “باب الفرج”. كانت الشيوعية حبه وعقيدته، فقد اعتبر الماركسية منهجه لكن كل أبطال رواياته كانوا من الطبقة الأرستقراطية. أقرأ مسودات رواياته وأسأل نفسي “أين ، وفي أي عالم يعيش هؤلاء الناس، لا يعرفون ما يجري في القاع حولهم ولا يتحدثون إلا عن الموسيقى والأفكار السامية؟ في نوبة انفعال وأنا أقرأ مسودة روايته (السراب الأحمر) استغربت هذا العالم الترف المعزول عن محيطه فكتبت له “إلى متى تظل تهرب من تجربتك وعذاباتك؟!”. كنت اعجب كيف أن أبناء جيله، وأبناء طبقته، كانوا يكتبون عن أبطال مسحوقين، مثل أبناء الصرايف والفلاحين وصغار الكسبة، بينما يكتب علي الشوك عن أرستقراطية مثقفة غارقة في الثقافات النخبوية مترفعة عن هموم مجتمعها. لاحقاً قال معترفاً :بصراحة، ورغم إني كنت شيوعيا لكنني لا أعرف الطبقات المسحوقة، لم أجلس في مقاهيهم ولا زرت مصانعهم ولا صرائفهم، أنا ابن هذه الطبقة التي تراها في رواياتي.
في هذه الشقة الزاهدة زاره صديق قديم من نفس العمر والطبقة هو فؤاد التكرلي. كانت هذه الزيارة حدث بهيج في حياة علي والحديث عن الرواية التي تعذرت على الإثنين لسنوات.. فقد بدد فؤاد التكرلي سنوات طويلة من التردد قبل أن تصدر روايته (الرجع البعيد). وضيّع علي الشوك عشرين عاماً يبحث عن مدخل للرواية، يقرأ الروايات بنهم فيعلو المثال ويزداد ابتعاداً عن كتابتها. يتعذر عليه الموضوع مرة، ثم تتعذر عليه الشخصية أو يفلت منه الجزء المفقود الذي يشد القارئ. يبحث عن التجربة في خارجه، لأنه يفتقد التجربة في داخله ولا يريد أن يمس الدمّلة المؤلمة في تجربته الخاصة، لذلك ينحي المثقف الروائي ويستولي عليه فيغرق الرواية باستطرادات ثقافية. و لم تكن الرواية ابنة الثقافةً وحدها، إنما هي ابنة الحياة في المدينة بتنوع وتعارض شخصياتها. وكانت حياة علي ضيقة ومحدودة يصفها “أنا لم أذهب أبعد من كرادة مريم ،وباب المعظم،أو ربما الإعدادية المركزية منذ ولادتي حتى العام١٩٤٧”. وبعد هزيمته الروحيةً عام ١٩٦٣تحاشى الكتابة عن تجربته السياسية.…وصار يتحدث عنها بحذر . وكلما ازداد التردد صار المثال أبعد وأكثر صرامة، ومازال علي غير واثق من خطوته الأولى( الأوبرا والكلب)، لذلك أبقاها مؤجلة لمدة ست سنوات.
أزورهما ويزوراني والحديث دائماً عن الرواية في حين كان العراق القاتل والقتيل ينزف روايات من دم. بغياب فؤاد سألت علي الشوك عن التناقض في مواقف فؤاد التكرلي، كيف قَبِلَ عام ١٩٦٣، وهو قاض، أن يصدر أحكاماً على أصدقاء شيوعيين، كانوا إلى ما قبل انقلاب شباط زملاء له في الأدب والموقف. كان جواب علي هو إنه يمارس مهنته كقاضٍ. كيف يمكن أن تنفصل المهنة عن الضمير. بقيّ هذا السؤال مثار حيرتي وأنا احتفي برجل يبكي حين يسمع أوبرا . La Traviatta . كان علي يدافع عنه بحرقة ” لقد أنقذ حياتي”. فيما بعد شكى لي بلوعة من أن فؤاد طوال فترة وجوده معه لم يقل له كلمة واحدة عن رواياته مع إنه قرأها جميعاً.

لقاءات الوداع
في أواخر سنواته، وبعد أن غادر أعزّ أصدقائه، غانم، فؤاد وبلند ودلال كنّا نزور علي كمجموعة (فاطمة وفوزي ويوسف وصادق وأنا). نزوره لنكسر وحدته. وفي كل مرة ندخل وفي دواخلنا إقرار غير معلن بأنها الزيارة الأخيرة. نفتح الحديث دون أن نترك للصمت حيزاً يوحي بأن هناك آخر خفي يتكلم وهو صامت. علينا ونحن نوجه الحديث أن نرفع أصواتنا عالياً. يبتسم بحرج لأنه دون أن يصرًح لا يسمعنا، وأحياناً يميل بأذنه فنعيد الكلام حتى يلتقط مفتاحاً، وغالبا تتحرك عيونه كأنه يريد أن يسمع بعينيه حين تعجز آذانه. يرى أفواهنا تتحرك وأصابعنا ترسم كلماتنا في فضاء الغرفة “هل للكلمات من معنى غير الذي نتخيله؟”، ربما هو لا يسمعنا، إنما يسمع الموسيقى تدوّي في رأسه. مع ذلك عنت كلماتنا في الفضاء الصامت الذي يطوقه الكثير بحيث نسج منها مرّة نصاً يجمع بين التخيل والتوثيق. كنت خلال هذه اللقاءات أتحرك بين الغرفة والمطبخ ويراودني هاجس غريب بأن الموت موجود هنا حتى أكاد أراه في واحدة من زوايا البيت، وإني أوشك أن ألمسه أو يلمسني. علي أيضاً يحسه. أدقق وأنا جالس قبالته بأصابعه الطويلة الشديدة البياض وهو يخلط الشاي بالحليب في كوبه، وألاحظ الرجفة المكتومة وهو يخلط عصيدة حياته وأقول لنفسي: نعم يحسه، لذلك يستعجل الزمن. وفي كل مرة يفاجئنا بأنه أنهى كتاباً جديداً. يريد أن يفرغ آخر ما في ذهنه.
كان يلح بان نكرّر الزيارة لكي يكسر ملل الحديث مع نفسه. في واحدة من هذه الزيارات خطر لنا أن نصطف خلفه وإلى جانبيه. حدث الأمر بسرعة بحيث لم يتح له الوقت للإعتراض على أن الصورة كانت نوعاً من إقرار بأنها النهاية .
في آخر أيامي قبل أن أسافر للعراق كنت انتظر إشارة العبور قرب محطة Ealing Broadway رأيت علي يمشي على الرصيف المقابل بخطوات متباطئة ، لا يرفع قدميه عن الأرض إنما يجرهما جراً.. خطوات قصيرة ومتردّدة كأنه يسير على حافة هاوية.

اترك تعليقاً

إظهر المزيد