في شارع الرشيد..-ستوته!-

كنت دعيت في 3 آذار الجاري (2018) لأفتتاح المؤتمر الأول لتجمع عقول .وصلت فندق شناشيل بشارع النضال ،واستيقظت صباح الجمعة لأستنشق اعذب نسمة من (هوى) الحبيبة بغداد التي زرتها آخر مرّة في التظاهرة المليونية التي عبرت جسر السنك ودخلت المنطقة الخضراء وفرّ حكامها بين من توجه للمطار ليعود من حيث أتى ومن لاذ بالسفارة الامريكية ومن توسل باكيا.
في الساعة العاشرة استأجرت سيارة تكسي من الفندق قاصدا شارع المتنبي.فدار بي السائق من شارع النضال الى شارع السعدون منعطفا نحو شارع ابي نؤاس لندخل شارع الرشيد فاوقفتنا سيطرة عسكرية على بعد امتار من بناية حسو أخوان لمن يتذكرها.
كان علينا (ان نضربها قدم) الى شارع المتنبي،فكيف نصل ومعي سيدة تشكو من ألم في قدمها. مشينا خطوات وفجعت ان ارى شارع الرشيد بهذا الحال البائس.وقفت والتقطت صورة نشرت في الفيسبوك باسطا يديّ لتقول لمن هو خارج العراق..أهذا هو شارع الرشيد حقا؟
ولمن لا يعرفه من الجيل الحالي تحديدا،فان شارع الرشيد يعدّ أقدم وأشهر شارع في بغداد ،وكان يسمى شارع (خليل باشا جاده سي) حاكم بغداد وقائد الجيش في 1910. فيه جوامع تراثية اشهرها جامع الحيدر خانه الذي شيده داود باشا عام 1819 وجامع مرجان وجامع سيد سلطان وجامع حسن باشا.وبعد سلسلة من المقاهي الشتوية والصيفية،وسوق هرج وسوق السراي تأتي مدرسة المأمونية التي سجل الملك فيصل الأول نفسه معلما فيها ،وأبنه ولي العهد (غازي) تلميذا فيها.وكان خلفها يربض (طوب ابو خزامه)مع شموعه ،ثم ساحة الميدان،ثم ساحة تضم التكية الطالبانية وجامع المرادية ومحلة رأس الكنيسة التي تعد اقدم كنيسة في بغداد.وعلى جانبه الأيسر كان يقع فندق الهلال الكبير الذي غنت فيه ام كلثوم.،فقهوة الزهاوي..ملتقى الأدباء والشعراء، وشناشيل احمد القيماقجي ،ودكان الحاج (زباله) لبيع شربت الزبيب،فقهوة حسن عجمي.
ومن طريف ما يذكر ان الحكومة اغلقت مدخل شارع الرشيد اواسط العشرينيات ووضعت عليه لافته مكتوبا عليها ( ممنوع الخشوش من هنانا ) مشيرة الى مدخل له من الخلف. وكان الشارع الى عام 2003 يعد اكبر شارع تجاري في بغداد والعراق، وكانت مقاهيه الممتدة من مقهى الميدان قريب الباب المعظم الى مقهى البرازيلية باتجاه شارع ابي نؤاس،تزدحم بروادها ،فيما كانت اسواقه الفرعية مثل سوق الصفافير تستقبل الأجانب لشراء التحفيات.
وكنا، ونحن طلبة جامعة ،نحرص على قطع المسافة مشيا من باب المعظم الى الباب الشرقي لنستمتع بشارع الرشيد،ونشرب شربت زبيب (زباله) او نجلس ان تعبنا في احد مقاهيه:الزهاوي ،حسن عجمي ،الرصافي ،البرازيلية.
كان حاله ،وانا متوجه لشارع المتنبي،يبدو وكأنه حال مدينة خرجت للتو من حرب:أزبال، اوساخ ،نفايات ،بسطيات على جانبيه وفي وسطه..وجوه بائسة ، واخرى تصيح : لبلبي ، جواريب كل اربعه بألف، تي شيرت بثلاثه،تي شيرت بخمسه، بنطرون بعشره، تنوره حلوه ومستوره…وحبست صرختي بصدري فاستندت الى جدار مستعيدا شريط ذكرياتي فيه وحالة شبيهة بتلك التي حدثت للشاعر مظفر النواب.فحين سألته عن اول تجربة حب له اجاب بانها كانت في شارع الرشيد:(كانت سيارتها زغيره..والشارع مزدحم..والدنيا حاره..التفت اليها فرأيت حبات من العرق تسيل على خديها..لحظتها تمنيت ان امسحها بمنديلي). غير انها كانت في حالتي اننا التقينا وكأننا نعرف بعضنا ومشينا نحو (البرازيلية)..مقهى المثقفين والمكان المفضل لدى الصديق المهاجر..فاضل العزاوي صاحب رواية (القلعة الخامسة) بسجن بغداد المركزي حيث كنّا فيه.
كنا نخطو باتجاه شارع المتنبي فوقفت السيدة التي معي وقالت: (دكتور ،بعد ما اكدر امشي).قلت لها مازحا: (هسه تجي الأمانة ام الطابقين ونركب بيها).فشارع الرشيد كان مزدحما باقدم واحدث موديلات السيارات، وكانت سيارات مصلحة الركاب ذي الطابق الواحد والطابقين تنقل الركاب الى مختلف احياء بغداد..فيما الآن لا ترى فيه سيارة واحدة تمشي فيه باستثناء واحدة او اثنتين للشرطة وكأننا في حالة انذار (جيم)!.
قال رجل يمشي قريبا منّا: أخي،اخذولكم ستوته واصعدوا بيها توصلكم قريب البنك المركزي.
وجاءت الستوته!!..وصعدنا ،وعلقت السيدة قائلة: شكد حلو..بروفيسور ودكتور وصاعد بستوته..لحظة خل اخذلك صورة. قلت لها :خذي لنوثقها للتاريخ ..انه في العام (2018) كانت الستوته هي وسيلة النقل في شارع الرشيد بعد ان كانت المرسيدس والشوفر والفورد والطابق والطابقين تزدحم فيه قبل سبعين سنة.
ترى اي نوع من الحكّام جاءت بهم امريكاّ ليدمروا بغداد ويذلوا اهلها؟.هل يكفي وصفهم بان ضميرهم الأخلاقي قد مات؟ وانهم ساقطون انسانيا؟
الشعب ،هزج في الشوارع وساحات التحرير (نواب الشعب كلهم حراميه، و الخير العدنه مكوم والأحزاب تفرهد بيه) ..وما فرهدوه يكفي ربعه لجعل بغداد اجمل عاصمة بعد ان جعلوها اوسخ واقبح مدينة.
المشكلة في هؤلاء الذين في الخضراء انهم يعتبرون العراق هو عالمهم الجميل الذين يعيشون فيه ،وشوارع بغداد هي شوارعهم المزينة بالورود،وان ما يحدث في بغداد وما يعانيه اهلها ..لا يعنيهم الا اذا حصل غيها ما يذكرّهم يوم دخل المتظاهرون مبنى الحكومة والبرلمان.
نزلنا من الستوته قريب البنك المركزي،فقالت سيدتي: تدري دكتور شأتمنى..ان يجي يوم اشوف من اوصلنا لها الحال خالهم الشعب بستوتات ويفترون بيهم بشارع الرشيد!

الكاتب: أ.د. قاسم حسين صالح

 

اترك تعليقاً

إظهر المزيد