لماذ يحب الحاكم العربي كرسي السلطة؟ دراسة تحليلية

لماذا يحب الحاكم العربي كرسي السلطة؟
دراسة تحليلية
أ.د.قاسم حسين صالح
مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية


التحليل العلمي لهذه الظاهرة يتحدد بأربعة عوامل هي:
• تركيبة شخصية الحاكم
• الدين الاسلامي
• تاريخ السلطة من عام 61 هجرية
• وجمهور الخنوع والخضوع والتملق للحاكم 


1.شخصية الحاكم

بدءا نقرر ان لا احد يدخل ميدان السياسة في العالم العربي ما لم تكن لديه ميول عدوانية ، غير ان حدتها تختلف من شخص الى آخر ومن حزب الى آخر،وتحليلنا لعدد من الحكّام العرب،أفادنا بأنهم يشتركون بصفات نوجزها بالآتي:
1.1 البارانويا. في اليوم الذي يجلس فيه الحاكم العربي على كرسي الحكم،فان البارانويا تجلس معه،ونعني بها الشك المرضي بالآخر المتمثل بسرعة الاتهام للاخرين بالكذب والتآمر عليه،والخوف من الاستيلاء على الكرسي حتى من اقرب الناس اليه بمن فيهم أخوته.والمشكلة النفسية هنا،ان الحاكم ينشغل فكره باوهام واضطهاد وتآمر عليه تتحول لدى بعضهم الى هذيان نفسي يكون موضوعه كرسي الحكم.

1.2 متلازمة الغطرسة. يعود اكتشاف هذا الاضطراب النفسي الى وزير خارجية بريطانيا الاسبق (ديفد أوين) الذي كان طبيبا نفسيا.وتتحدد خلاصة هذا الاضطراب بأن الحاكم اذا جلس على كرسي الحكم فأنه يذوب في السلطة.وتتجسد ملازمة الغطرسة فيما يخص الحاكم العربي بأنه يصبح مهووسا بالسلطة،ويختزل الناس والوطن في شخصه ،مثال ذلك صدام حسين الذي رفع شعار (صدام هو العراق).غير ان الغطرسة هي احد الأسباب التي تسقط الحاكم من الكرسي..مثال ذلك، جاء ضابط رفيع الى الأمير عبد الأله والباشا نوري السعيد يخبرهما بحركة انقلاب عسكري(14 تموز 1958) فلم يكترثا،وكذلك سخر معمر القذافي من المتظاهرين..وقتل ببشاعة،وعاند صدام ولم ينسحب من الكويت..فأعدم. ويبدو ان الغطرسة علّة كل الحكام المستبدين،فحين حذروا الدكتاتور نيقولاي شاوسشيكو من التظاهرات،اجابهم ساخرا: لن يحدث تغيير في رومانيا الا اذا تحولت أشجار البلوط الى تين!..وانتهى به الأمر الى اعدامه.

1.3 النرجسية الخبيثة. تتألف هذه الحالة السيكولوجية من مزيج من النرجسية المصحوبة بشعورالعظمة،واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع،وقساوة القلب،والأنانية المطلقة.واوضح مثالين لها هما معمر القذافي وصدام حسين.ففي تسعينات القرن الماضي كان العراق محاصرا اقتصاديا والشعب في أسوأ حال (اساتذة جامعات عملوا سواق اجرة بسياراتهم الخاصة!) كان صدام يبني قصورا له ،وكاد ان ينجز منتصف التسعينيات بناء اكبر مسجد في العالم يحمل اسمه وسط بحيرة صناعية في منطقة المنصور في بغداد..لولا الحصار.

2. الدين الاسلامي

بدءا ،أنا احترم الدين ، وأجلّ علماء الدين الذين يقدسون قيمة الحياة،ويحترمون الرأي الآخر بغض النظر عن: جنس ،هوية ،دين ،مذهب..قائله. وأرى ان الدين الاسلامي يعاني من اشكالية خطيرة انعكست على صناعة الحاكم العربي تتحدد بتعدد مذاهبه.فهنالك اربعة مذاهب في السنة ومذهبان في الشيعة ،فضلا عن مذهبي الأباضية والظاهرية.
والاشكالية هنا،أن المنتمين لهذه المذاهب من رجال الدين والحكّام، باستثناء الذين يعتبرون الدين غاية وليس وسيلة دنيوية ،مصابون بعلّتين:
الأولى: فكرية ،معرفية..هي الدوغماتية او التصلب الفكري او الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.وتظهر هذه الحالة لدى الحكّام الذين يسعون الى فرض آرائهم بالسلطة،او بالنفوذ او بالمال.
والثانية: سيكولوجية..هي التعصب ،وتعني نزعة الحاكم نحو تفضيل جماعته وابناء مذهبه على افراد الجماعات التي تنتمي لمذاهب اخرى،ونظرته الى جماعته على انها مركز كل شيء ومرجع كل شيء، وان طريقتها في الحياة ونظرتها للدين والحكم..هي الصحيحة.
والمشكلة،أنه نجم عن هاتين العلّتين ما كنّا اصطلحنا على تسميته بـ(الحول العقلي).بمعنى ان الحاكم العربي (أحول عقل) لأنه يضخّم ايجابيات جماعته ويغمض عينيه عن سلبياتها،ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويغمض عينيه عن ايجابياتها..ويخرّج ذلك باسم الدين!..بل انه يجد نصوصا فيه تبرر سوء ما يفعل!.


3. تاريخ السلطة

انتجت السلطات التي توالت الحكم في العالم الأسىلامي (الأموية والعباسية والعثمانية) قائمة طويلة من الحكام الطغاة والقساة والسفهاء والفاسقين والذين يشعرون بالدونية،ولم تنتج السلطة في الاسلام حكاّما قدوة الا بعدد أصابع اليدين،نخّص منهم:
* عمر بن الخطاب ،صاحب مقولة: (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لما لم تمهد لها الطريق ياعمر؟)، والذي التزم المساواة في الشريعة والعدل بين الرعية.
* علي بن ابي طالب ،صاحب مقولة :(الناس صنفان اما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق) ،والمؤتمن على مال المسلمين والذي كان يلبس لباس الفقراء ويأكل اكلهم.
* عمر بن عبد العزيز ،المحب للعلم والعلماء الذي اعاد للعلويين حقوقهم والمؤتمن على مال المسلمين ايضا ،ولك ان تستشهد بحكاية عمته التي جاءت اليه تطلب زيادة على راتبها من مال المسلمين فوجدته ياكل عدسا وبصلا.
والمفارقة ان عمر وعليّا..قتلا ، ومات عمر بن عبد العزيز بالسم ولم يكمل في الحكم سنتين ونصف.
وحديثا ،لدينا انموذجان من الحكام العرب القدوة، هما سوار الذهب الذي استلم السلطة في السودان عام 1985 اثناء الانتفاضة، وسلّم كرسي الحكم بعد سنة واحدة ، وعبد الكريم قاسم الذي كان ينام على سرير عادي في وزارة الدفاع وقتل وفي جيبه خرده أقل من دينار..ما يعني أننا لا نملك الان حاكما عربيا بمواصفات القدوة،فضلا عن ان تاريخ السلطة في الأسلام قام على سيكولوجيا الغالب والمغلوب،ومنح الحاكم الشعور بأنه امتداد للخليفة.


4.جمهور الحاكم

اثبتت التجارب السيكولوجية (فيليب زمباردو بجامعة ستانفورد، بـ”اختبار سجن ستانفورد،و ستانلى ملجرام بجامعة ييل حول “الطاعة ودرجة الانصياع للسلطة” ) ان الأنسان الذي يتعرض الى ظلم واضطهاد وتعذيب ولا يجد وسيلة للخلاص ،فانه يستسلم حتى لو توافرت له فرصة الخلاص.
ويكشف لنا واقع الحال بأننا اذا استثنينا المناضلين من رجال الدين الى الشيوعيين الذين ثاروا ضد الحكام الطغاة،فان الغالبية المطلقة من الشعوب العربية تعودت الخضوع والخنوع والتملق للحاكم ،لسببين، الأول..تبريري،بتخريج ديني ( وأطيعوا اولو الأمر..)والحاكم هو ولّي الأمر المطلق،والثاني ..الشعور بالعجز المصحوب بالخوف من بطش الحاكم..ما يعني ان (الشعب) شريك في جعل الحاكم يحب الكرسي،بل انه قام بتأليه كثيرين ،ووصف حكاما طغاة بأنه هبة السماء للأرض.

تلك هي العوامل التي أدت الى ان يلتصق الحاكم بكرسي السلطة الى يوم يخصه عزرائيل بالزيارة ليورثها لأبنه قبل النفس الأخير. ولأنه لم يحصل تغيير جوهري في هذه العوامل السيكولوجية-السياسية-الاجتماعية، فانه لن يأتي حاكم عربي يرى في كرسي السلطة انه وسيلة لخدمة الناس وانه تاركه متى طلب الناس منه ذلك ،الا باشاعة الوعي الانتخابي الهادف الى اقامة دولة مدنية يكون فيها الدين بعيدا عن السلطة وكرسي الحاكم.

 

اترك تعليقاً

إظهر المزيد